حبيب الله الهاشمي الخوئي
25
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فلو كان منتفعا بطاعة مخلوقاته لزم أن يكون مستكملا بغيره فاقدا للكمال بذاته . وهو أيضا ( علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين ) لأنّه لا يتفاوت علمه بالنّسبة إلى الحاضرين الموجودين والغائبين المعدومين كما يتفاوت في حقّنا وذلك لأنّ علمنا بالأشياء من الأشياء كما أنا نعلم قبل وجود زيد أنّ زيدا معدوم ، فإذا وجد نعلم أنّه موجود ثمّ إذا عدم بعد وجوده نعلم أنّه كان موجودا فقد تغيّر علمنا بتغيّر المعلوم وحصل التّفاوت بين الحالين ومنشأ ذلك أنّ علمنا زماني لأنه مستفاد من الموجودات وأحوالها وأمّا اللَّه الحىّ القيّوم فهو إنّما يعلم كلّ شيء جزئيّ أو كليّ من ذاته ولا يجوز أن يكون يعلم الأشياء من الأشياء ، وإلَّا يلزم أن يستفيد علمه من غيره ويكون لولا أمور من خارج لم يكن عالما فيكون لغيره تأثير في ذاته ، والأصول الالهيّة تبطل ذلك مضافا إلى استلزامه التّغيّر في ذاته بتغيّر معلوماته . ( و ) من ذلك علم أيضا أنّ ( علمه بما في السّماوات العلى كعلمه بما في الأرضين السّفلى ) من دون تفاوت بينهما وأمّا غيره تعالى من أهل الأرض فعلمهم بما في الأرضين أقوى من علمهم بما في السّماوات ، كما أنّ أهل السّماوات أعلم بها من أهل الأرض ، ومنشأ ذلك التّفاوت تفاوت الأمكنة كما أنّ منشأ التفاوت فيما سبق تفاوت الأزمنة قربا وبعدا . وبالجملة لما كان نسبة ذات الباري إلى جميع أجزاء الزّمان والزّمانيّات وجميع أصقاع المكان والمكانيّات على حدّ سواء ، كان علمه بالنسبة إلى الجميع كذلك ثمّ خاطب الانسان بما فيه من بدايع الصّنع وعجايب الابداع ليتخلَّص منه إلى عظمة المبدع سبحانه وكمال قدرته وجلاله فقال ( أيّها المخلوق السّوىّ ) أي مستقيم القامة معتدل الخلقة ( والمنشاء المرعى ) المحفوظ ( في ظلمات الأرحام ومضاعفات الأستار ) العطف كالتفسير والمراد بها ما أشير إليه في قوله : « يخلقكم في بطون امّهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلث » أي ظلمة البطن والرّحم والمشيمة أو الصّلب والرّحم والبطن والأوّل مرويّ عن أبي جعفر عليه السّلام . ( بدئت من سلالة من طين ووضعت في قرار مكين ) قال الشّارح المعتزلي